محمد متولي الشعراوي
4470
تفسير الشعراوى
والمعركة الخاصة بقضية الهداية والإضلال قائمة من قديم ، ولا تزال أيضا ذيول هذه المعركة موجودة إلى الآن ، وأوضحنا هذه القضية من قبل ولكننا نكررها للتأكيد ولتستقر في الأذهان ، لأن هناك دائما من يقول : إذا كان الله هو الهادي والمضل ، فلماذا يعذبني إن ضللت ؟ . وشاع هذا السؤال وأخذه المستشرقون والفلاسفة ويراد منه إيجاد مبرر للنفس العاصية غير الملتزمة . ونقول لكل مجادل : لماذا قصرت الاعتراض على مسألة الضر والعذاب إن ضللت ؟ ولماذا لا تذكر الثواب إن أحسنت وآمنت ؟ . إن اقتصارك على الأولى دون الثانية دليل على أن الهداية التي جاءت لك هي مكسب تركته وأخذت المسألة التي فيها ضرر . ولا يقول ذلك إلا المسرفون على أنفسهم . وضربنا من قبل أمثلة كثيرة . لنفرق في هذه المسائل بين المختلفين ؛ لأن الجهة عندهم منفكة . وهم قد ناقشوا مسألة " خلق أفعال العباد " وتساءلوا : من خلق هذه الأفعال ؟ هل خلقها الله أم أن العبد يخلق أفعاله ؟ . ونسأل : ما هو الفعل ؟ . إنه توجيه طاقة لإحداث حدث ؛ فطاقة اليد أنها تعمل أيّ عمل تريده منها ؛ قد تضرب بها إنسانا أو تحمل بها إنسانا واقعا على الأرض ، أو تربت بها على اليتيم . إذن ففي اليد طاقة تصلح لأن تفعل الخير وتفعل الشر ، وأنت لحظة أن تضرب إنسانا ؛ فأي عضلة تحركها حين ترتفع اليد لتضرب ؟ . إنك بمجرد رغبتك في أن تضرب ، تضرب ؛ عكس الإنسان الآلى حين يرفع شيئا ، فله أجزاء وأزرار تعمل . وكلها آلات . وأنت حين تربت على كتف يتيم ، ما هي الأعضاء والأجهزة التي تحركها لتعمل هذا العمل ؟ . إذن فالله هو الذي خلق فيك الانفعال للفعل . فإن نظرت إلى ذلك ، فكل فعل من الله ، ولكن توجيه الجارحة إلى الفعل هو محل التكليف . إذن فأنت تحاسب لأنك فعلت ، لا لأنك خلقت ؛ لأن خالق الأفعال هو الله سبحانه وتعالى ، وأنت تفعل بمجرد الإرادة والاختيار ، مثل اللسان فيه طاقة